منتديات مارجرجس

أهلا بكم فى منتديات مارجرجس إذا كنت عضو بالمنتدى رجاء الدخول وإذا لم تكن عضو
رجاء التسجيل بالمنتدى
منتديات مارجرجس


    تأملات في المزامير

    شاطر
    avatar
    ابو ماضى
    عضو جديد
    عضو جديد

    ذكر عدد الرسائل : 36
    العمر : 44
    تاريخ التسجيل : 16/05/2008

    تأملات في المزامير

    مُساهمة من طرف ابو ماضى في الخميس أغسطس 21, 2008 12:18 pm

    الكتاب منقول عن موقع مطرانية حلب


    جميع ما هو موجود في الكتاب المقدّس يرمي إلى المسيح، ومن هذا المنطلق يقرأ المؤمنون أسفار الكتاب المقدّس في نور الربّ يسوع. ولكن ما عسى سفر المزامير يعني بالنسبة إلينا نحن الذين نحيا في القرن العشرين؟ لقد وظّفت الكنيسةُ المزاميرَ كتسابيح فعّالة جدّاً في منظومتها الليتورجيّة وليس هناك من خدمة ليتورجيّة تخلو من مقاطع مختارة من المزامير، وهكذا بات استخدام المزامير في صلاة الكنيسة الأرثوذكسيّة أمراً أساسيّاً يساعد المؤمن على رفع قلبه وذهنه إلى الله. ففي المزامير يصرخ المؤمن صرخات الفرح على انتصارات الله فيه، كما ويعبّر عن حزنه على خطايا يرتكبها الإنسان لأسباب شتّى. من هنا جاءت هذه الخطوة المباركة التي قام بها سيادة المطران بولس (يازجي) مشكوراً في سبيل دعم فَهْم المصلّي العربيّ للمزامير وتوضيح خفايا بعض المزامير التي يصلّيها دوماً.

    المطران بولس (يازجي) ذو باع طويل في اللّغة اليونانيّة ويستطيع أن يغوص في معاني هذه اللّغة وتعابيرها، وهذا يدعم خبرته في فهم الكتاب المقدّس بطريقة أكثر عمقاً، ويريد أن ينقل تأمّلاته في المزامير إلى أبنائه الروحيّين وإلى جميع الذين يصلّون في المزامير وخاصّة إلى الذين يقرؤونها يوميّاً بحسب تقسيمات الأسبوع ويريد أن يُشرِك الجميع في هذه التأمّلات القيّمة والمغذّية للنفس. وهو بهذه التأمّلات يدخل إلى خفايا الكلمة الإلهيّة ويُخرج منها الدرر المبثوثة فيها. إنّه يعبِّر عن ذلك ويُدخِلك معه للاشتراك بهذه الدرر فتدخل الكلمات إلى أعماق قلبك وتنفجر في القلب إيماناً ورجاءً وتوبةً وتواضعاً. فيتأثّر كيان الإنسان وتهتزّ عظامه فتنسكب الدموع من العينَين ندماً ورجوعاً إلى الله وارتماء على قدمَيه بانسحاق وتواضع. المطران بولس يشرح تأمّلاته في بعض المزامير بلغة سلسة مفهومة يقرؤها بسطاء العلم فيفهمونها ويقرؤها العارفون فيرتفعون وينتفعون.

    تأمل في المزمور الرابع
    إذ دعوتُ استجابَ لي إلهُ برّي، في الحزن فرّجتَ لي،
    ترأّفْ عليَّ واستمعْ صلاتي"
    "مزمور لداود في النهاية من التسابيح"
    "في النهاية": إنّه يتكلّم عن نهاية الجهاد الروحيّ؛ يتكلّم عن القيامة التي هي مظهر العالم الآتي ونهاية الحاضر. وكما يقول القدّيس غريغوريوس النيصصي إنّ هذا المزمور هو صلاة مناسبة لكلّ نفس تدخل جهاداً، لأنّه يؤكّد النصر المنتظر والمرجوّ وهكذا يتشدّد أصحاب الجهاد.
    ويُعتقد أنّ داوود قد نظمه تسبحةَ غلبةٍ وشكرٍ على عظائم الله التي أتمّها له تجاه أبيشالوم (ثيوذورتيوس). إنّه مزمور جميل على قلب كلّ مسيحيّ بدأ جهاداً روحيّاً ويرجو التحرّر من أهوائه وصعوباته. إنّه مزمور يعطي دفعة ونشاطاً وانطلاقة.
    "بما أنّ النهاية المرجوّة لكلّ جهاد هي الغلبة، لذا يتطلّع إليها المجاهدون ليدخلوا الميدان بشجاعة، فإنّ كلمة "في النهاية" تحثّ الهِمَم فوراً في نفوس المجاهدين لعيش الفضائل، فهم إذ ينظرون إلى النهاية، أي الغلبة، والأكاليل، تسهلُ أتعابُ جهادهم...".

    "سرّ الصلاة والطلب - الحرب الروحيّة - أنا والله"
    (1) إذ دعوتُ استجابَ لي إلهُ برّي
    لكي ندخل إلى عمق هذه الصرخة الفرحة، لربّما الأسهل أن نبدأ بشرح آخرها، وذلك من كلمات الذهبيّ الفمّ، الذي درَّ على العصور بدرره الذهبيّة الثمينة، فهو يشرح كلمة "إله برّي" ويؤكّد أنّ داوود هنا لا يفتخر ببرّه الذاتي، كالفريسيّ مثلاً! هنا على العكس، داوود بقلب منسحق يعيد الفضل ببرّه للربّ،"فكلّ ما نعمله إنّما نحن عبيد بطّالون"، و"بدونه لا نقدر أن نعمل شيئاً"، وكلّ إنجاز بشريّ هو هديّة وهبة إلهيّة.
    هذه العبارة أشبه مثلاً بفنّان موسيقيّ رائع عندما يمتدحوه يقول فلان هو أستاذي، معيداً فضل براعته لأستاذه. هكذا داوود يعرف في العمق أنّ علّةَ سعادته وحياته البارّة هي نتيجة تحنّن الله وثمرة علاقته بالله والحياة بقربه. فالشعور بالحياة البارّة والسعيدة ليس خطأ، إنّما إعادة ذلك إلى الذات هو الفريسيّة. الفرح بحياتنا المسيحيّة هو أمر واقعيّ. والمسيحيّ يشكر كثيراً ومن العمق، لأنّه تعرّف على الله، ويعرفه الله، فهو إله حياته القويمة، أي إله برّه.
    من جهة أخرى يتوقّف فمّ الذهب عند هذه الكلمات ويؤكّد أنّه لكي يُستجاب الإنسانُ عندما يدعو الله في الصلاة عليه ليس فقط أن "يتقدّم هو"، وإنّما أن يأتي "ويقدّم"؛ ماذا يقدّم؟ حياته البارّة! الصلاة ليست تأمّلاً فكريّاً وهي أبعد عن أن تكون مجرّد مشاعر شخصيّة، إنّها حوار مع شخص وليست توجيهَ أشعار وتسابيح إلى فكرة!
    لهذا وقفة الصلاة كما يسمّيها السلميّ هي "محكمة" ومحاكمة، إنّها مواجهة، وفي هذه المواجهة يجب أن أتّجه أنا إليه وأن يلتفت "هو" إليَّ. عندما يغيب اللهُ عن صلاة المسيحيّ يكرّر مع داوود صلاته: "إلى متى يا ربّ تنساني أَإلى الانقضاء، إلى متى تصرف وجهك عني...".
    الصلاة ليست رسالةً إلى الله وإنّما حديث معه. هذا لا يتطلّب حضوري فقط وإنّما حضوره ورضاه أيضاً. لو تكلّمنا مع شخص يردُّ لحظَه عنّا، لا يستمرّ الحوار، ويبقى الحديث مجرّد بتْبَتَة كلمات أو ثرثرة.


    يواجه المسيحيّ اللهَ في الصلاة لهذا علينا "ألاّ نطيل الكلام عبثاً في الصلاة". فالمسيحيّ لا يردّد فيها مجرّد عبارات وإنّما يقدّم حياته أمام الله. إذن نتكلّم ليس عن خدم وصلوات وإنّما عن حياة الصلاة. الصلوات والخدمات الليتورجيّة هي عبارات تلك الحياة. المطلوب أن تصير كلّ الحياة صلاة، وأن نردّد مع بولس المصلّي: "لستُ أنا أحيا بل المسيحُ يحيا فيَّ". الصلاة الدائمة ليست في المعبد فقط وليست أمام الأيقونة فحسب، هذه الأخيرة هي صلوات الواقفين بعد على الدرجات الأولى. مَن ولج حقاً إلى الصلاة هو مَن ولَج المسيحُ إلى حياته فصار مركزَها. لا يدخل الربُّ إلى حياة لا مكانة له فيها أو إلى معابد فيها آلهةٌ أخرى.
    نكرّر دائماً في صلواتنا وطلباتنا - وغالباً ما نسهو عن عمق الكلمات فتغدو تكراراً مملاًّ – العبارةَ: "وكلّ حياتنا للمسيح الإله". أن نعطي حياتنا لله لا يعني أن ننقطع عن حياتنا وإنّما أن نحيا ونعمل من أجل الله، ونسير بدنيانا وبإخوتنا نحو الله. الجميع يعملون ويشتغلون ويلدون ويولدون، لكن السؤال هو: لماذا ولمن؟ الحياة للربّ. حياة البرّ ليست مهنةَ الرهبان فحسب، إنّما دعوة كلّ مسيحيّ، كلٌّ من مكانه. الحياة للمسيح لا تعني الحياة التأمليّة والابتعاد عن العالم. الحياة للمسيح تعني أن يكون هو غايةَ وجودنا، به نحيا وإليه نتحرّك. "لا لنا يا ربّ لا لنا بل لك". هكذا نردّ على كلّ الطلبات: "لك يا ربّ". هذه هي الحياة البارّة التي غايتها ونهايتها "هو". هكذا تغدو الحياة غبطة، عندما تأخذ معنى، ومعنى حقيقيّاً وصحيحاً. عكس ذلك تبقى الحياةُ وجوداً قلقاً وطلباً لا يشبع إنْ لم ينقلب إلى عداوات وتسابقاً على ملذّات الدنيا ومراكزها، سعياً لإشباع ذاتنا التي لن تشبع حقّاً إن لم تلتقِ بالمسيح.
    لا يطلب الله منّا إطالة الكلام معه، إنّما حياتنا؛ لا يطلب منّا يداً أو حاسّةً أو عضواً أو جزءاً من حياتنا وإنّما يقول: "يا بنيَّ أعطِني قلبك". وعندما نعطي القلب لله وحده عندها يجول هو فيه ونسمع وقع خطاه ويصير القلب ليس عضلات وإنّما دنيا تحمل كلّ الناس وتحبّ كلّ الناس ولا تكره أحداً. وسط الظلم والضيقات يعرف القلب كيف يصلّي وكيف يتحرّك ويسعى. هذا هو سرّ استجابة الله، سرّ الصلاة.
    الربّ سريع الإجابة لمثل هذا القلب. أشعياء النبيّ يقول: "أُدْعُ والله يستمع لك. فعند دعائك يجيب ها أنا حاضر"[2]. الله حاضرٌ فعلاً وينظر إلينا، عندما نحضر نحن دون مراآة؛ عندما نحضر إليه ونحن لا نخفي داخلنا أعداءه، وهو الفاحص القلوب والكلى... المراآة بالصلاة هي سمّها. إنها الصلاة بالشفاه. على مثل هؤلاء المصلّين ينطبق توبيخ الربّ: "هذا الشعب يكرمني بشفتَيه وقلبه بعيد عنّي". مَن يستطيع أن يواجه الربّ بقلب معوجّ؟
    تدبّ المراآة بين الناس. وغالباً، وللأسف، ما تأخذ لون التهذيب والمجاملات واللياقات لكن، أمام الله، الوقفة هي محاكمة صريحة "فالأفعال تُكشف والأفكار تُستفحص". لا يمكننا أن نرضي الله "بالكلام" وإنّما بالحياة. مهما صرخنا لن يستجيب لنا إن لم نتقدّم إليه من حياة بارّة.

    § في الحزن فرّجتَ لي
    هذا هو سرّ الصليب. "لكلّ إنسان صليبه" مقولة محفوظة، لكن قد نخطئ فهمها عندما نعطيها معنى تشاؤميّاً. الصليب هو علامة الغلبة والتضحية، وليس علامة القدر الأسود؛ المسيح بدّل معناه.
    هنا يعبّر داوود بصلاته فعلاً عن سرّ الألم والمصائب والشدائد في حياة المسيحيّ. المسيحيّ لا يطلب الهروب من مواجهة الحياة، ولا يصلّي لكي يُحيد الله عنه الشدائدَ، فالله يجرّب مَن يحبّه. رهبان وقدّيسون يعتبرون الفترات التي لا يمرّون بها بضيقات فترات "هجر إلهيّ". عندما تشتدّ المصاعب يرفع المسيحيّ صرخة: "إن أمكن فلتجزْ عنّي هذه الكأس، ولكن لا تكنْ مشيئتي بل مشيئتك". عالمنا دنيا مخلوطة بالضيقات والشدائد والأمراض والأحزان... والمسيحيّ لا يمكنه أن يطلب الفرار. في قلب هذه الشدائد يأتي الربّ. بمعنى آخر، نصرخ إلى الربّ الواقف "الحاضر" فتتنقلب هذه الشدائد من قدر أسود إلى صليب رائع نرفع ذواتنا عليه جَدّاً وتعباً وتضحيةً وفديةً ومحبّة للآخرين. هكذا تجلب الشدائدُ بدل الحزن فرجاً وبدل الكآبة غبطةً وبدل التشاؤم وفرحاً.
    في الحزن فرّجتَ لي: لم يرفع الربّ عن داوود هنا شدّته، وإنّما جعله قويّ القلب رابط الجأش مؤمناً مواجهاً للدنيا بفرح. الربّ، كما يقول اسحق السريانيّ، لا يجرّب أحداً بأكثر من طاقته ومع كلّ ضيق يسمح به يرسل مخرجاً له. معروفة لدينا قصّة الليلة التي أمضاها القدّيس أنطونيوس الكبير محارَباً ومجرَّباً من الشياطين، حين تنهّد عند الصباح إذ انصرفت تلك عنه ورفع تنهّده إلى الله: أين كنتَ طيلة تلك الليلة؟ فأجابه الله: قربك أراقب وأعدّ انتصاراتك. الله كالأم التي تترك طفلها لوحده في الخطوات الأولى ولكنّها فوقه ومن خلفه لا تتركه يقع.
    وقصّة ذاك المسيحيّ، الذي كان يتأفّف دائماً على الربّ: إنّ صليبي كبير، أيضاً معروفة. فإذ أراه الله كلّ صلبان الدنيا، جال بينها إلى أن راق له إحداها، صليب صغير وجميل، ولما اختاره كان صليبَه الشخصيّ بالذات. داوود هنا يشكر الربّ ليس لأنّه رفع عنه الشدائد ولكن لأنّه عندما سمح بها ساعده ليجدها ليس "ضيقات" وإنّما "فرجاً".



    § ترأّفْ عليَّ واستمعْ صلاتي
    هنا، كما يقول القدّيس كيرلّلس، أبدل داوودُ النبيّ زمنَ الفعل. أي بدل: "ترأّفتَ عليَّ واستمعتَ صلاتي" لمرّة واحدة، يقول هذا ما يحصل على الدوام، يطلب أن يبقى الله قربه في شدائده المحيطة به، وأن يعطي أذنه إلى تضرّعاته فهي فرجه وقوّته.
    ترأّف، نعم. الحياة وإن كانت طاهرة لا تشتري من الله الاستجابة. الاستجابة هي فعل محبّة الله، وليس "بدلَ جهادنا". جهادنا وحياتنا البارّة هما الشراع المشدود الذي يسمح لنفخات الروح التي تهب أن تسيّر به سفينة الحياة. هبوب الرّيح على شراع مطوي لا يفيد، والشراع المشدود بدون الرّيح يترك المركب يتخبّط في المحيط. حياتنا البارّة هي "دلالة" فقط على طلبنا الصادق لله وبعدها كلّ ما نحقّقه هو من الله ولله وحده.
    avatar
    GERGES
    مدير المنتدي
    مدير المنتدي

    ذكر عدد الرسائل : 281
    العمر : 27
    تاريخ التسجيل : 04/07/2007

    رد: تأملات في المزامير

    مُساهمة من طرف GERGES في الخميس أغسطس 21, 2008 3:41 pm

    شكرا

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت أكتوبر 21, 2017 10:36 pm